قفزت من عيني دمعة صغيرة وأنا أستمع لفيروز تغني
صباح ومسا .. شي ما بينتسى .. تركت الحب .. أخدت الأسى
شو بدي دور .. لشو عم دور على غيرو .. في ناس كتير لكن بيصير
ما في غيرو
تذكرتك .. وتذكرت كم كنت رائعا معي .. أعطيتني حبا لم أجده لدى غيرك .. أعطيتني أمانا ، راحة ، سعادة لم يستطع أحد أن يعطيني نصفها وبالرغم من ذلك تركتك
لن أنسى ما حييت تلك الدموع التي غصت بها عيناك وأنا أودعك
بدأت قصتي معك في مقهى متواضع يطل على البحر .. أذهب اليه متعمدا حتى لا أصادف أحدا من أصدقائي .. أختلي بنفسي .. أراجع حساباتي .. أكتب .. أمسح .. وأعيد الكتابة .. قد أكتب شعرا أو قصة أو هلوسة ... لا يهم .. كنت حزينا وقتها .. وكان قلمي يبكيني حبرا .. كان يسكنني حنين لا أعرف لمن .. قد يكون الحنين ليد ناعمة تربت علي ان حزنت .. لصوت دافئ يطمئنني ان خفت .. أو لقلب محب يستحق الحب
لم يواسيني وقتها إلا صوت فيروز وهي تشاركني الحال وتغني
أنا عندي حنين .. مابعرف لمين
ليلية بيخطفني .. من بين السهرانين
وقتها كان الشتاء قد بدأ .. وهبات الهواء الباردة تطارد ما تبقى من أوراق الخريف المتناثرة على الطرقات .. البحر أمامي هادئا في ثورته .. أمواجه تعانق الصخور برغبة جامحة .. وكأنها تحاول أن تكسرها لكنها من تتكسر
لازلت أذكر ذلك الطائر الصغير .. يقفز برشاقة من مكان الى آخر .. يلتقط من الأرض ما يلتقط .. ثم يطير مسرعا الى عش بناه أعلى عامود للإنارة .. تساءلت وقتها .. هل يشاركه أحدا عشه أم هو مثلي وحيد
المقهى في هذا الوقت المبكر عادة ما يكون خاليا من الناس .. لكنه ذلك اليوم كان على عكس ذلك .. فكل طاولة حولي تقاسمها اثنان .. محبان هاربان من قمع المجتمع وقيوده .. شباب وفتيات بعمر الزهور .. تبدو عليهم بلاهة العاشقين .. يعميهم الحب .. ويدفعهم للمغامرة والجلوس سويا بعيدا عن أعين الناس .. على الرغم من جمال المنظر .. إلا انه آلمني .. وجلدني بسؤال لا أعرف إجابته .. لما لست مثلهم .. لما لا يشاركني أحدا طاولتي وحياتي؟
هربا من السؤال أشحت بوجهي باتجاه البحر .. وصرت أدندن مع فيروز ..
نطرتك انا .. ندهتك انا .. رسمتك على المشاوير
يا هم العمر .. يا دمع الزهر .. يا مواسم العصافير
ما أوسع الغابة .. وسع الغابة قلبي
يا مصور عا بابي .. ومصور بقلبي ...
ما يميز المقهى أن صاحبه ياسين يعشق فيروز .. ولا يقبل أن يشغل أي أغنية لا تكون فيروز من تغنيها ..
فيروز تغني .. نسمات من الهواء الباردة تلسع بشرتي .. رائحة البحر اختلطت برائحة دخان الشيشة وتغريد الطيور ينافس همسات العاشقين حولي .. فأتنهد حسرة .. ولسان حالي يقول أين هو؟
لو سمحت !
أتاني صوتك من خلفي .. التفت مستغربا إلى مصدر الصوت .. فرأيتك .. بملابسك الرياضية تبتسم لي .. بين التفاتتي وحوارنا الأول لم تكن الا ثوان .. لكنها تمر اليوم علي كساعات طوال .. وكأن الساعة قد توقفت .. تجمدت لأتأمل وجهك السمح .. أجبتك
- نعم ؟
- قد يبدو طلبي غريبا .. لكن كلي أمل أن توافق عليه
- تفضل .. ما طلبك ؟
- هل تسمح لي بمشاركتك الطاولة .. المقهى ممتلئ كما ترى .. ولدي اختبار بعد ساعتين .. صدقني لن تحس بوجودي .. سأكتفي بالدراسة دون أي ازعاج .. إلا طبعا ان كنت تنتظر أحدا ..
براءة رأيتها في عينيك المبتسمتين أرغمتني على الموافقة .. لم أستطع الرفض .. ولا حتى التفكير به .. وافقت بأن تشاركني طاولتي .. ولم أعلم حينها بأنك ستشاركني حياتي
مرت الدقائق الأولى وأنا أتجنب التحديق بك .. لكن سرعان ما استسلمت لسحرك وصرت أتأمل ملامحك .. أركز تارة على أنفك .. وأسرح بعينيك تارة أخرى .. لم تكن جميلا ، فاتنا يذوب من يراك على الفور .. كنت سمحا .. ساحرا .. بشوشا .. حتى وأنت تدرس .. وتعقد حاجبيك لتفهم جملة مستعصية .. كنت تغريني .. وددت حينها أن ألمس بشرتك .. بشرة سمراء .. تزيدها جمالا سمرة اكتسبتها كما يبدو مؤخرا من الشمس .. لازلت أتذكر لون ملابسك .. شكل نظارتك الشمسية .. ولا أبالغ إن قلت بأني لازلت أستنشق رائحتك كل ما تذكرت ذلك اليوم
سكوتك استفزني .. لكن التزامك به أعجبني .. فقد وعدتني أن تكون ضيفا هادئا ، صامتا وفعلت .. لم أستطع وقتها أن أفتح أي موضوع .. فلم اكن أعرف عنك شيئا حتى اسمك .. وأنا أجول بين أفكاري .. و أتنقل بين موضوع وآخر علني أجد ما أبدأ به حواري معك .. صرت أدندن مع فيروز هامسا
يا عاقد الحاجبين .. على الجبين اللجين
انت كنت تقصد قتلي .. قتلتني مرتين
انتبهت إليك تحدق بي وأنا أغني .. توترت .. وأعلن احمرار وجنتي عن خجل أصابني .. فرددت على إعلاني بابتسامة بعثت الطمأنينة والثقة في صدري .. فأكلمت غنائي
تبدو كأن لا تراني .. وملء عينك عيني
ومثل فعلك فعلي .. ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبق مني .. حيا سوى رمقين
أخاف تدعو القوافي .. عليك في المشرقين
- الله
قلتها معلنا اعجابك وكنت تعنيها ... وبعدها بدأنا الحوار .. عرفت بأنك من عشاق فيروز ولذلك تختار هذا المقهى بالذات لتدرس فيه .. وعرفت أيضا بأنك تتردد عليه دائما .. وبأنك كنت تراني دائما لوحدي .. فرحت بيني وبين نفسي بأن هناك من يلاحظني وشكرت فيروز التي جعلتك تكسر وعدك لي بالصمت
أتذكر بأن الوقت مر سريعا .. وكان عليك الذهاب لأداء اختبارك .. تبادلنا أرقام هواتفنا .. وبعد شهرين أو أكثر بقليل كنا أصدقاء .. نتقابل بين الفينة والأخرى في ذلك المقهى .. نتشارك الأفكار .. ندرس سويا .. نضحك .. نفكر .. نختلف ونرتاح
وكما سرعة الأيام .. تطورت علاقتنا .. وصار لقاءنا شبه يومي ..وفي غفلة من المجتمع .. وفي يوم ممطر صارحتني بحبك .. فبادلتك الحب حبا .. تأججت المشاعر .. وصار أحدنا للآخر حاجة وضرورة .. تغيرت الحياة .. صارت أجمل .. أصبحت أحلى .. أو كما غنت فيروز
بحبك ما بعرف .. هن قالوا لي ..
ومن يومها .. صار القمر أكبر ..
عا تلالنا وصارت الزغلولة .. تاكل عا ايدي اللوز والسكر
كنا عاشقين ببلاهة .. يعمينا الحب .. ويدفعنا للمغامرة والجلوس سويا بعيدا عن أعين الناس والمجتمع والدين
إلى أن أتى ذلك اليوم .. يوم ليس كسائر الأيام .. أتذكر ؟
أتذكر ما كنت ترتدي ؟
أتذكر ما كان عطرك ؟
أتذكر الطقس ؟ اليوم ؟ التاريخ ؟ والساعة ؟
أنا أذكر
كنت ترتدي بنطلونا أزرقا .. وقميصا أبيضا تزينه خطوط زرقاء بلون السماء .. كانت رائحتك كرائحة الصنوبر الممزوجة برائحة القهوة العربية .. وكان الجو غائما .. والمطر يهطل بغزارة .. يوم الأربعاء .. السادس والعشرين من ديسمبر .. والساعة كانت تشير إلى ما دون التاسعة مساءا .. أخذتني إلى مقهانا المفضل .. حيث التقينا .. حيث أحببنا .. وحيث افترقنا
وعلى صوت فيروز وهي تغني
بديت القصة .. تحت الشتي .. بأول شتي حبو بعضن
خلصت القصة .. بتاني شتي .. تحت الشتي تركو بعضن
بدأت بالكلام .. كنت تبدو جادا أكثر مما عرفتك دائما .. حروفك كانت قاسية .. وابتسامتك غائبة
- حبيبي .. هناك موضوع لا تعرف عنه .. لم أخبرك به قبلا .. لأني كنت أريدك .. كنت أنانيا لا يفكر إلا بنفسه .. لكن صدقني .. إخفائه عنك لم يكن سهلا ولا ممتعا .. كان ضميري يقتلني .. حتى بدأت أكره نفسي .. ولن أستطيع إخفائه أكثر .. من حقك أن تعرف وأن تقرر .. هل نستمر أم نتوقف
لم أكن أريدك أن تتكلم .. وددت أن أغلق فمك بيدي .. تمنيت أن تكون مزحة ثقيلة ليس إلا .. لم أعرف ماذا تخفي عني .. ولم أود أن اعرف .. لكنك قلت
- أنا متزوج .. أهلي أرغموني على الزواج منذ ما يقارب الثلاثة أعوام عندما عرفوا بميولي المثلية بالصدفة عن طريق أخي الكبير .. والذي تطفل على جهاز الكمبيوتر الخاص بي .. فما كان من أبي إلا أن يأمر بزواجي فهو الحل لمن ساء السبيل .. أعرف بموقفك الرافض لعلاقة مشابهة .. لكني أحبك .. وسأظل أحبك ما حييت .. ولأني أحبك وجب علي أن أصارحك وأترك لك حرية الاختيار
-أعطني فرصة للتفكير
قلتها بسرعة .. حملت أغراضي .. وأسرعت الخطى نحو الباب .. كنت أسابق دمعة لا أريدك أن تراها .. لم أكن بحاجة إلى التفكير .. لم أكن يوما ممن يقبلون بأنصاف الحلول حتى أقبل بنصف حبيب .. لم يساوي عندها الحب أي شيء .. فجأة صرت أراك كاذبا .. مخادعا .. لئيما .. خبيثا .. وعلى الرغم من ذلك كنت أبكيك .. طوال الطريق الى البيت .. كنت أبكي .. وكانت السماء تبكيني ... ولم أجد وقتها لا يدك ولا صدرك ولا حتى صوتك .. لم يكن لي إلا فيروز
ياخوفي ابقى حبك .. بالأيام اللي جايي
اتهرب من نسيانك .. ما اتطلع بمرايي
حبسي انت .. انت حبسي .. وحريتي انت
وانت ياللي بكرهو .. واللي بحبو انت ..
وبعد اسبوع أو اكثر .. واجهتك .. رفضت .. رفضت أن أكون جزء من حياتك .. بينما أنت حياتي كلها .. رفضت أن أكون عشيقا .. أشارك إمرأة زوجها بكل وقاحة .. ودعتك .. وابتعدت .. وكانت دموعك تودعني
واليوم وبعد عامين ونصف .. بعد أن حاولت وحاولت .. أن أنساك .. أن أحب غيرك .. أن أكون لشخص سواك .. أعلن بأنني لم أستطع .. وها أنا أستسلم لحبك .. وأرفض أن أنساك ..
سأظل أحبك .. وأغني لك .. وأكتب لك .. وأحلم بك .. دون أن أعود
وستبقى قصتنا بكل ما فيها من ذكريات سعيدة كانت أو حزينة في ذاكرتي .. أعيدها .. أسترجعها .. أتذكرها .. كلما اشتقت إليك .. قصة لا أبطال فيها إلا أنا وأنت ... وفيروز
كنا تودعنا وصوتك غاب .. وناداني العمر الخالي
ولما عا حالي سكرت الباب .. لاقيتك بيني وبين حالي
مشلوحة على بحر النسيان .. فارقني النوم وكل شي كان
وجك ما كان يفارقني .. جرب اسبح ويغرقني







